التعايش الديني



التعايش الديني

 مقدمة:
إن القدس عاصمة روحية لكل مسيحي، كما هي لكل مسلم، دون أن نتنكر لبعض الحقوق الدينية لليهود، ولكن هذه الحقوق الدينية التي صانتها الدول العربية منذ أربعة عشر قرنا لا تترجم بالضرورة إلى حقوق سياسية، وفق قراءة يهودية ضيقة عنصرية للكتاب المقدس. وللقدس وجود روحي لكل أبناء إبراهيم ولها بعد اسكاتولوجي ( متعلق بالآخرة ويوم الحشر) لكل الموحدين. والقدس أور السلام وبيت المقدس وحاضنة الوحي والإسراء والقيامة. وفيها ذكر إبراهيم وملتقى أبنائه اليهود والمسيحيين والمسلمين، وبها مآذنهم وأجراسهم وقبابهم وتجمع بين أسوارها الذهبية سلمهم وحربهم، وآلامهم وآمالهم، وقبلتهم وحشرهم. وعندما نتكلم عن القدس لا بد أن تقفز إلى الذاكرة والواقع المستقبل، صورة المسيحي والمسلم معا.

التعايــــــــش:
كلمة التعايش لغويا هي اشتقاق من الفعل الثلاثي " عاش "، على وزن تفاعل. وفعل عاش تعني ضمنا أمرا فرديا يقوم به شخص ما. أما التعايش فتعني بالضرورة وجود شخصين في وضع تبادلي يقبلان بعضهما بعضا ويسيران معا. والتعايش تعني اكتشاف الأخر والقبول به، الاعتراف بوجوده وهويته وخصوصيته، تعظيم الجوامع واحترام الفوارق والتأكيد على الأرضية المشتركة. فعندما هبّت رياح الحضارة العربية من الجزيرة قلنا لها " نعم ".

لقــاء الإسـلام والمسيحيـة:
لم يكن أبدا الإسلام والمسيحية مجموعة من التعاليم الدينية المحضة. بل تجسد كل منهما في بيئات اجتماعية وإنسانية وجغرافية وثقافية متعددة. والتعايش الإسلامي المسيحي في القدس حالة فريدة من نوعها كون القدس هي ملتقى الأماكن المقدسة للديانتين وفيها ذاكرة الكتب المقدسة المادية للديانتين. وشكل المسيحيون والمسلمون الذاكرة التاريخية والإنسانية حول المكان والكتاب. والمسيحية والإسلام اليوم في القدس، هما حصيلة تجارب وتراكمات تاريخية، تمتد جذورها بين الوحي والسماء ويوم الحشر إلى هموم الحياة الدنيا بكل تفاصيلها. وقد تشكلت " النعم " التاريخية في ذاكرة التعايش تدريجيا مع العهدة العمرية بين الخليفة الفاروق والبطريرك صفرونيوس، ولكن نصوص العهدة العمرية متعددة، وأحيانا تبدو متناقضة! وقد تراكمت عليها خبرات واقع الإسلام والمسيحية في العيش معا. وهذا العيش لم يكن حلوا مطلقا أبدا، ولا مرا مطلقا أبدا.

خـــــاتمــــــة:
إن التعايش الإسلامي المسيحي يرزح تحت ضغط الاحتلال، ويتنفس بين جدران العزل، ويتحرك بين فوهات البنادق، ويلملم إطرافه بين حواجز الكراهية الإسرائيلية، ويتحرك على أرض مقدسة، ملغومة ومدنسة بالمستعمرات، ولا مجال لتعايش حقيقي، ومكان التعايش الرمز مغلق ومحاصر، ومن يعيشون فيه، جرحى وقتلى يعانون الفقر والقمع. فمدخل التعايش هو حرية وكرامة الإنسان والأرض...


إرسال تعليق

0 تعليقات