المكتسبات الخاطئة






يكتسب الفرد مفاهيم متعددة ومتنوعة في مراحل حياته، تبدأ من نشأته الاجتماعية في التقاط بعض المفاهيم البسيطة بحسب وعيه وإدراكه واستيعابه من خلال البيئة المحيطة به، فيتعلم تلك المفاهيم بصورها المختلفة ومفهومها السلبي والإيجابي. الطفل ابن بيئته، فتتشكل لديه العديد من المفاهيم التي تؤثر فيه مباشرة أو غير مباشر، تدخل في وعيه وتحليله لكل مجريات الأمور الشخصية والحياتية.

تحوي المفاهيم دلالات عدة، ذات إدراك حسي مقصود أو غير مقصود، لتصبح فيما بعد لدى الفرد تلقائية يعيش ويتعايش معها، ولها صور ذهنية، أو كلمات معينة، أو رموز خاصة بها، تختلف من فرد إلى آخر، بعضهم تجرعها كالماء وأصبحت جزءاً من شخصيته، وآخرون تقبلوا بعضها، وأصبحوا يبحثون عن مفاهيم جديدة تغير نمط حياتهم.

تترجم هذه المفاهيم إلى صور ذهنية ذات دلالات واضحة، كصورة معينة تتشكل لديه أو بكلمة معينه ترمز إلى شيء معين خاص فيه؛ بسبب مواقف حياتية سابقة أو تجربة قديمة تؤثر في شخصيته ومعتقداته، فتتشكل لديه مفاهيم جديدة مغايرة تماماً عن المفاهيم القديمة، وهنا ندرك أننا نستطيع أن نغير ونطور هذه المفاهيم القديمة بمفاهيم جديدة. «بحر» كلمة لها مفهوم ودلالة تختلف من فرد إلى آخر، هناك من يشاهدها مفهوماً خاطئاً بأنه مخادع أو غدار، مفهومه عن البحر أنه غدار ومخيف، وهذا يرجع إلى خبراته السابقة التي عاش في وسطها واكتسبها من المحيط ذاته، أو بسبب تجربة مؤلمة أو قاسية تعرض لها في البحر، أو مشهد رآه لأفراد تعرضوا إلى كارثة في البحر فتبنى هذا المفهوم الخاطئ عن البحر.

وبعض آخر لديه مفهوم عن «البحر» بشكل مغاير تماماً، يعني له الجمال والاسترخاء والهدوء والاستمتاع. المفاهيم تتشكل في حياة الفرد بحسب كل ما يتعرض له ويؤثر فيه، سلباً أو إيجاباً، تشكل شخصيته وحياته.

أهمية المفاهيم وصورها الذهنية تؤثر في الأفراد من دون أن يدركوا ذلك، وتعتبر المحرك الفعلي والمؤثر في حياتهم وأعمالهم وطريقة عيشهم، إن صحت هذه المفاهيم بصورها الإيجابية الواقعية صحت حياتهم، وإن كانت هذه المفاهيم سلبية وخاطئة أيضاً أثرت بطريقة خاطئة ومدمرة، بل تعتبر عائقاً أمامهم، والخطورة إذا كان الفرد لا يدرك ماذا يحوي من مفاهيم، سالبة أو موجبة.

بعضهم يخوض تجارب اجتماعية، كصداقات تستمر فترة ثم تنتهي من دون أسباب واضحة، عندما نتعمق ماذا يمتلك هذا الفرد من مفاهيم حول الصداقة؟ تجد أن لديه مفهوماً مشوهاً وغير واقعي، إذ يشاهد في داخله أنه لا يوجد صدقات حقيقية، بل مصالح شخصية، ومفهومه أن الصداقة خداع أو تضييع للوقت، هنا مهما حاول أن ينجح في أي علاقة يدخل فيها لا يستطيع أن يكملها أو يستمر فيها، لا بد من أن تكون النهاية هي الانفصال أو الهجر لهذه العلاقة؛ لأن مفهومه عنها خاطئ، فتبنى جميع وسائل التواصل من مشاعر وأفعال وردود أفعال بينهما على أنها مصالح ومضيعة للوقت، وهذا بالفعل ما سيصل إليه من دون أن يدرك حقيقة ذلك، وللأسف أنه يكرر ذلك مراراً، من دون استيعاب عن السبب الحقيقي لذلك، ونقيس على كل مفاهيمنا الخاطئة عن المواقف في حياتنا.

إرسال تعليق

0 تعليقات