شباب مكة في عصر النبوة





لقد رَبَّى صلى الله عليه وسلم جيلين فمن الطفولة إلى الشباب، ومن الشباب إلى الشيخوخة، وأبدى صلى الله عليه وسلم في تربيته هذه قُدرة خارقة، فقد ساير الطبيعة الإنسانية مُسايرة حكيمة، وزاوج بين الميول والأحاسيس مراعياً في ذلك نظام الطبائع، متخذاً سبيل الوسط في طريق سائغة لا تصادم الأمزجة ولا تعاكس الفطر.
كان الرعيل الأول من أتباعه صلى الله عليه وسلم عندما صدع بأمر ربه وجهر بالدعوة إلى دينه هم المستضعفين والفقراء المعوزين، إلا قليلاً من ذوي الجاه والثروة، وتلك سنة جميع المصلحين والدعاة والمرشدين، فلاقى صلوات الله عليه من الأذى ما لاقى، ولم يكن أصحابه بمنجاة من ذلك الاضطهاد، ولا بنجوة عن ذلك الابتلاء، وكان أكبر نصيب من ذلك نصيب الشباب، وأفر حظاً حظ الأحداث والفتيان، والقرآن من ورائهم يصرخ فيهم بمثُله العليا ويضرب لهم الأمثال بسنَّتِه السامية، ويرشدهم إلى العِزَّة الباقية، ويدعوهم إلى احتقار اللحظات الفانية والعمل للحياة الباقية، فيستعْذِبُون الألمَ في الكفاح عن كلمة الله تعالى، ويستمرئون العذاب في سبيل حماية دين الله سبحانه، قال تعالى: [وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ] {آل عمران:139-140}.
روى البخاري عن خبَّاب ابن الأرتِّ رضي الله عنه قال: (شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مُتوسِّدٌ بردة له في ظل الكعبة، قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا من الله عز وجل، ألا تدعو الله لنا؟ قال عليه الصلاة والسلام: كان الرجل فيمن قبلكم، يحفر له في الأرض، فيجعل فيه، فيُجَاء بالمنشار فيوضع على رأسه، فيشقُّ باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظم أو عصب وما يصده ذلك عن دينه. والله ليَتِمَّنَّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه).
من صور إيذاء الشباب من أصحابه ما وقع لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقد كان شاباً عمره أقل من عشرين سنة، حين ذاك. اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فقالوا: والله ما سَمِعَت قريش القرآن جهراً من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن منكم يُسمعهم القرآن جهراً؟ فقال عبد الله بن مسعود: أنا. فقالوا: يُخشى عليك منهم، إنما نريد رجلاً له عشيرة يَمْنعونه من القوم، فقال: دعوني فإنَّ الله سيمنعني منهم ثم إنه قام عند المقام عند طلوع الشمس وقريش في أنديتهم فقال: بسم الله الرحمن الرحيم رافعاً صوته [الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ القُرْآَنَ] {الرَّحمن:1 - 2} واستمرَّ فيها. فقال المشركون: ما بال ابن أم عبد؟ فقال بعضهم: يتلو ما جاء به محمد. ثم قاموا إليه يضربون وجهه وهو مستمر في قراءتها حتى قرأ غالب السورة، ثم انصرف إلى أصحابه وقد أدمت قريش وجهه، فقال له أصحابه: هذا الذي خَشينا عليك منه، فقال: والله ما رأيت أعداء الله أهون عليَّ مثل اليوم! ولو شئتم لأتيتهم بمثلها غداً قالوا: لا، قد أسمعتَهم ما يَكْرهون.
وقد كان يُعرض على الشباب من هؤلاء المعَذَّبين وسائل الأمن، وتتاح له سبل السلامة، فتأنفها نفسه ما دام صحبه غير سالمين، ويأبى إلا العذاب، والألم مُشاركة لأصحابه ومساواة بهم ومواساة لهم.
 من ذلك أنَّه لما رجع المهاجرون إلى مكة من الهجرة الثانية إلى الحبشة لقوا من المشركين أشدَّ ما عهدوا، ولم يستطع بعضهم أن يدخلها إلا بجوار مجير فكان ممن دخل مكة بجوارٍ، عثمان بن مظعون رضي الله عنه، دخل في دار الوليد بن المغيرة، ولما رأى ما يُفعل بالمسلمين من الأذى، قال: والله إن غدوِّي ورواحي آمناً بجوار رجلاً من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير!، فردَّ إلى الوليد جواره.
قال عمر رضي الله عنه حين أسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم: والذي بعثك بالحق نبياً لا يبقى مجلس جلست فيه بالكفر إلا جلست فيه بالإيمان!، وكان عمر أراد أن يُظهر إسلامه، وأن يصيبه ما أصاب من أسلم من الضرر والإهانة، فاجتمع الناسُ عليه وما زالوا يضربونه ويضربهم حتى أجاره خاله أبو جهل وحماه من أذى قريش: قال عمر: فصرت بعد ذلك أرى الواحد من المسلمين يُضرب وأنا لا أضرب، فقلت: ما هذا بشيء حتى يصيبني ما يصيب المسلمين، فأمهلت حتى جلس الناس في الحِجَر وصلت إلى خالي وقلت له: جوارك عليك رد فقال: لا تفعل يا ابن أختي. فقلت: بل هو ذاك، فما زلت أُضرب وأَضرب حتى أعزَّ الله الإسلام.
لم يكن ما لاقاه الشباب من العذاب مقصوراً على الألم المادي، بل هناك ألم نفسي ومحاربة وجدانيَّة، لولا قوة اليقين وحَرارة الإيمان لضعفت نفوسهم وارتدوا عن دينهم الجديد إلى شركهم.
أسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وكان عمره تسع عشرة سنة، فكرهت أمُّه إسلامَه، وكان باراً بها، فقالت له: ألستَ تزعم أنَّ الله يأمرك بصلة الرحم وبرِّ الوالدين؟ قال: نعم. فقالت: والله لا أكلتُ طعاماً ولا شربت شراباً حتى تكفر بما جاء به محمد!. فكانوا يفتحون فاها ثم يلقون فيه الطعام والشراب، فأنزل الله تعالى: [وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا] {العنكبوت:8}. فقال لها سعد: تعلمين يا أمه لو كان لك مئة نفس تخرج نفساً نفساً ما تركت دين هذا النبي، فكلي إن شئت أو لا تأكلي! فلما رأت ذلك أكلت.
والقرآن الكريم يضع المثل الأعلى للتضحية ويبين الحدود الواضحة للحب فقال تعالى: [قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ] {التوبة:24}.
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

إرسال تعليق

0 تعليقات